الشيخ محمد هادي معرفة

387

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وهذا من أحسن الحذف وأجمله ، وهو في القرآن كثير جدّا . قال ابن جنّي : في القرآن منه زهاء ألف موضع ، وقد سردها الشيخ عزّالدين في كتابه « المجاز » على ترتيب السور والآيات . « 1 » منه قوله تعالى : « الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ » « 2 » لأنّ تعلّق الفعل بالزمان هو تعلّق المظروف بالظرف ، لولا أنّ في الآية حمل أحدهما على الآخر حمل اتحاد . وهو من لطيف البيان وظريفه ، فلو قدّرت : وقت الحجّ أشهر ، أو فعل الحجّ في أشهر ، لذهبت برونق الكلام وجماله . ومنه تعلّق الأحكام التكليفية الشرعية بنفس الذوات ، فإنّه لابدّ من تقدير فعل مناسب . وذلك في مثل قوله تعالى : « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ » . « 3 » وقوله : « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ » . « 4 » وقوله : « أَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها » . « 5 » فإنّ في هكذا تعابير لا يبدو عليها أثر التقدير ، وليس مثل قوله : « وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها » « 6 » البادي عليها أثر التقدير وكانت من مجاز الحذف لا محالة . على خلاف ما مثّلنا به من آيات التحريم ، إذ ليس فيها مجاز الحذف أصلًا . ومنه أيضا قوله : « وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ » . « 7 » فلو أردنا التقدير لكان : ولكن ذا البرّ من آمن . . . أو برّ من آمن . لكنّه ليس كذلك ، وإنّما الجملة بكاملتها تفسير وتوضيح لعمل البرّ بأنّ من يؤمن باللّه . . . الخ ، فهذا هو البرّ والعمل الصالح . وقوله : « لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ » « 8 » أي من قبل الغلب ومن بعده ، من غير أن يكون التقدير ظاهرا وإن كان مرادا واقعا . ومن هذا القبيل جميع الموارد التي قيل فيها بحذف المبتدأ أو الخبر أو الصفة أو الموصوف ، وحتى المعطوف أو المعطوف عليه ، أو حذف جملة الشرط أو جملة الجزاء . أو

--> ( 1 ) - معترك الأقران ، ج 1 ، ص 323 . ( 2 ) - البقرة 197 : 2 . ( 3 ) - المائدة 3 : 5 . ( 4 ) - النساء 23 : 4 . ( 5 ) - الأنعام 138 : 6 . ( 6 ) - يوسف 82 : 12 . ( 7 ) - البقرة 177 : 2 . ( 8 ) - الروم 4 : 30 .